الغزالي
97
إحياء علوم الدين
التي هي المصدر خلقا سيئا . وإنما قلنا إنها هيئة راسخة ، لأن من يصدر منه بذل المال على الندور لحاجة عارضة ، لا يقال خلقه السخاء ، ما لم يثبت ذلك في نفسه ثبوت رسوخ . وإنما اشترطنا أن تصدر منه الأفعال بسهولة من غير روية ، لأن من تكلف بذل المال ، أو السكوت عند الغضب بجهد وروية ، لا يقال خلقه السخاء والحلم فهاهنا أربعة أمور أحدها : فعل الجميل والقبيح . والثاني : القدرة عليهما . والثالث : المعرفة بهما والرابع : هيئة للنفس ، بها تميل إلى أحد الجانبين ، ويتيسر عليها أحد الأمرين ، إما الحسن وإما القبيح . وليس الخلق عبارة عن الفعل ، فرب شخص خلقه السخاء ولا يبذل ، أما لفقد المال أو لمانع . وربما يكون خلقه البخل ، وهو يبذل ، إما لباعث ، أو لرياء وليس هو عبارة عن القوة ، لأن نسبة القوة إلى الإمساك والإعطاء ، بل إلى الضدين واحد . وكل إنسان خلق بالفطرة قادر على الإعطاء والإمساك . وذلك لا يوجب خلق البخل ، ولا خلق السخاء . وليس هو عبارة عن المعرفة ، فإن المعرفة تتعلق بالجميل والقبيح جميعا ، على وجه واحد بل هو عبارة عن المعنى الرابع ، وهو الهيئة التي بها تستعد النفس لأن يصدر منها الإمساك أو البذل . فالخلق إذا عبارة عن هيئة النفس وصورتها الباطنة وكما أن حسن الصورة الظاهرة مطلقا ، لا يتم بحسن العينين دون الأنف ، والفم ، والخلد بل لا بد من حسن الجميع ليتم حسن الظاهر ، فكذلك في الباطن أربعة أركان ، لا بد من الحسن في جميعها حتى يتم حسن الخلق . فإذا استوت الأركان الأربعة ، واعتدلت وتناسبت حصل حسن الخلق . وهو قوة العلم ، وقوة الغضب ، وقوة الشهوة ، وقوة العدل بين هذه القوى الثلاث أما قوة العلم ، فحسنها وصلاحها في أن تصير بحيث يسهل بها درك الفرق بين الصدق والكذب في الأقوال ، وبين الحق والباطل في الاعتقادات ، وبين الجميل والقبيح في الأفعال